عفيف الدين التلمساني
69
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : الوقفة نورية تعرف القيم ، وتطمس الخواطر ) . قلت : معناه أن الوقفة تشبه النور في إظهار ما سترته الظلمة ، وهذا هو معنى كونها تعرف القيم ، وأما كونها تطمس الخواطر فشبه الخيالات تتزيا في الظلمة بالخواطر الوهمية ، فكما أن الظلمة تتضمن الخيالات فيصير فيها النور ، فكذلك النفس التي قبل مقام الوقفة تكون مظلمة متخيلة بخواطر لا صدق لها ، فتجيء الوقفة فتعرف تلك الخيالات والخواطر ؛ فهي نورية بالفعل ، وحقيقة قوله : « تعرف القيم » أي أنها تعرف العبد أنه عدم أزلا وأبدا في وجود باريه تعالى ، فالوقفة عرفته قيمة نفسه ، وتعرفه أيضا أنه إذا بقي بربه تعالى بعد الفناء عرفته قيمته وهو أنه السيد المقصود ، فهي إذن تعرف القيم وحقيقة تطمس الخواطر تزيل عن النفس الخواطر التي مضمونها إثبات السوى . قوله : ( وقال لي : الوقفة وراء الليل ووراء النهار ، ووراء ما فيهما من الأقدار ) . قلت : معناه أن مقام الوقفة وراء إدراك العقول ، وذلك لأن مدارك العقول لا تخرج عن المقولات العشر ، ومرجعها إليها وهي منحصرة في الجوهر والعرض ، وما تجرد عنهما . ولما كان الليل والنهار هما من الزمان اللاحق بحركات الجسم كانت الوقفة وراءه أي فوقه ، فالعلم كله في الليل والنهار وفيما فيها من الأقدار والمعرفة ، وإن كانت نورية ، إلا أن للعلم تعلقا بها لكونها باطنة فلها تعلق بالليل والنهار . وأما الوقفة فليس لها تعلق بشيء ولا لشيء تعلق بها ، بل الذي يخصها هو نفي الشيئية عمن هو في مقامها . قوله : ( وقال لي : الوقفة نار السوى فإن أحرقته بها وإلا أحرقتك به ) . قلت : معناه أن مشهد الوقفة لا يبقى معه أثر للغيرية وهذا هو معنى إحراق السوى بالوقفة ، وأما إذا لم يتم المشهد فإن الوقفة تنفض السالك عنها كما تقدم فينحجب مع بقائه مع ملاحظة السوى ، وذلك هو احتراقه بالسوى ، فكأنه قال له : إن قبل مقامك واستعدادك ذكر الوقفة وإلا رجعت إلى السوى لا حائل بينك وبينه ، وذلك احتراقه به .